الحلقة 14: "الذاكرة المحذوفة"
بقلم: آدم الآمر
بعد أيام من لقاء الكاتب الأول، تغيرت سلمى. لم تعد مجرد صحفية تحمل القصص بداخلها. أصبحت ظلها أطول من جسدها. عندما تمشي، تسمع خطوات شخصيات لا تراها. عندما تنام، تحلم بملايين النهايات التي لم تكتب بعد.
كريم يلاحظ التغير: "سلمى، أنتِ لستِ وحدكِ في جسدكِ. هناك آخرون. أشعر بهم."
سلمى تنظر في المرآة: "أعرف. القصص بداخلي تريد الخروج. تريد أن تُروى."
فجأة، تهتز الأرض. زلزال؟ لا. إنه صوت. صوت هائل يأتي من السماء. ثم يظهر نص عملاق في الأفق، كأنه شاشة عرض سماوية:
"إشعار عاجل: محكمة القصص العالمية تعقد أولى جلساتها. جميع الشخصيات والكتّاب مدعوون. المتهم: القصص الحزينة."
سلمى تجري نحو النافذة. في الشارع، الناس يحدقون في السماء. الكل يرى النص. الكل يقرؤه.
كريم: "محكمة؟ من أنشأها؟"
سلمى: "الكاتب الأول. يريد محاكمة القصص التي تسببت في الألم. لكن هذا خطير. إذا حكم على القصص الحزينة بالإعدام، ستمحى من الوجود."
نادين ترتجف: "لكن بعض القصص الحزينة جميلة. تعلمنا الصبر والقوة. لا يمكن محوها."
سلمى تومئ: "لذا يجب أن نتدخل. نحتاج إلى محامٍ. شخص يفهم القصص."
فجأة، يظهر أمامهم شاب. لم يروه من قبل. يرتدي بدلة أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية. عيناه ذكيتان، وابتسامته واثقة.
الشاب: "أنا المحامي فارس. شخصية من قصة قانونية لم تكتمل. سمعت عنكم، وأريد المساعدة."
سلمى: "كيف وجدتنا؟"
فارس: "القصص بداخلكِ ترشدني. كل شخصية أنقذتِها تعرف طريقها إليكِ. أنتِ الآن منارة في عالم السرد."
تصل سلمى وفارس وكريم ونادين إلى قاعة المحكمة. مكان غريب. لا جدران له. السماء سقفه، والأرض مرايا تعكس وجوه الحضور. الآلاف من الشخصيات والكتّاب جالسون في مقاعد لا نهائية.
في الأعلى، منصة القاضي. يجلس عليها الكاتب الأول، لكنه هذه المرة في صورة قاضٍ مرعب. وجهه نصف نور ونصف ظلام.
الكاتب الأول: "محكمة القصص العالمية تبدأ الآن. المتهمة: كل قصة حزينة تسببت في معاناة شخصياتها. النيابة: شخصيات ضحية. الدفاع: ... من يدافع عن القصص؟"
صمت. الجميع ينظرون إلى سلمى.
سلمى تقف: "أنا. سأدافع عن القصص الحزينة."
الكاتب الأول: "تفضلي."
تتقدم سلمى إلى منصة الدفاع. فارس يقف بجانبها.
الكاتب الأول: "أحضروا الشاهدة الأولى."
تظهر امرأة عجوز. وجهها مليء بالندوب. تبكي بصمت.
العجوز: "اسمي أمينة. شخصية في قصة حزينة عن الحرب. عشتُ أهوالاً لا توصف. الكاتب كتب نهايتي وحدي، تموت من الجوع. لماذا؟ لماذا جعلني أعاني ثم أموت وحدي؟"
همهمات في القاعة. الغضب يعلو.
فارس يقف: "سيدتي، هل تعلمين أن قصتكِ أوقفت حرباً حقيقية؟ عندما قرأها الناس، احتجوا ضد الحروب. آلاف الأرواح أنقذت بسبب ألمكِ."
العجوز تتراجع: "ماذا؟"
سلمى: "نعم. قصتكِ الحزينة أنقذت بشراً حقيقيين. ألمكِ كان له معنى. القصص الحزينة ليست تعذيباً بلا سبب. إنها مرآة تعكس قسوة العالم، لعلنا نغيره."
العجوز تدمع. ثم تجلس. لا تتكلم.
الكاتب الأول: "الشاهدة الثانية."
تظهر فتاة صغيرة. شعرها أشقر، عيناها زرقاوان. تبكي.
الفتاة: "اسمي إلسا. شخصية في قصة خيالية. كاتبي جعلني أميرة حزينة. حبستني في برج لسنوات. لماذا؟"
فارس: "إلسا، كم عمركِ في القصة؟"
إلسا: "سبعة عشر عاماً."
فارس: "وكم سنة قضيتِ في البرج؟"
إلسا: "عشر سنوات."
فارس: "إذاً كُتبتِ عندما كنتِ طفلة؟"
إلسا: "نعم. كاتبي كتب القصة عندما كان في المدرسة الثانوية. كان وحيداً. يكتب عن أميرة حزينة لأنه شعر بالوحدة."
سلمى: "إلسا، كاتبي لم يعذبكِ لأنه يكرهكِ. كان يعبر عن ألمه. قصتكِ ساعدته على تجاوز وحدته. وهو الآن كاتب ناجح، سعيد، ولديه عائلة. بفضلكِ."
إلسا تنظر إلى الحضور. تبتسم للمرة الأولى: "هل هذا صحيح؟"
سلمى: "نعم. قصتكِ الحزينة أنقذت كاتبكِ."
تصفيق خافت في القاعة.
الكاتب الأول يبدو منزعجاً: "هذا لا يكفي. هناك قصص حزينة لا معنى لها. قصص كُتبت لمجرد الإيذاء."
فارس: "نطلب إحضار كاتب متهم."
يظهر رجل في الأربعين. وجهه شاحب. يرتدي ملابس سوداء. يبدو نادماً.
الكاتب الأول: "هذا كاتب كتب أكثر من مائة قصة حزينة. كلها تنتهي بموت البطلة. لماذا؟"
الكاتب يبكي: "لأنني... لأنني فقدت زوجتي في حادث. كل قصة أكتبها هي محاولة لفهم حزني. كل بطلة أقتلها هي تجسيد لزوجتي. لا أريد إيذاء شخصياتي. أريد فقط أن أتألم معهم."
سلمى تقترب منه: "لماذا لا تكتب نهاية سعيدة؟"
الكاتب: "لأنني لا أؤمن بها بعد."
سلمى: "إذن اكتب نهاية مفتوحة. دع الشخصيات تختار مصيرها. كما فعلت أنا."
الكاتب يرفع عينيه. ينظر إلى شخصياته التي حضرت الجلسة. يراهم يحدقون فيه بالشفقة، لا بالكراهية.
الكاتب: "أنا آسف. سأحاول التغيير."
الكاتب الأول يقرع المطرقة: "هيئة المحكمة ستصدر حكمها."
لكن قبل أن يتكلم، تظهر شاشة عملاقة. عليها فيديو مباشر. ملايين المشاهدين من كل أنحاء العالم. تعليقات تتطاير:
الكاتب الأول يتجمد. ينظر إلى سلمى: "هل فعلتِ هذا؟"
سلمى تبتسم: "لا. هذا هو صوت العالم. القصص الحزينة جزء منا. لا يمكن محوها لأنها تؤلمنا. بل يجب أن نتعلم منها."
الكاتب الأول يصمت طويلاً. ثم يهمس: "لم أتخيل أن البشر سيدافعون عن الألم. أنتم أغرب مخلوقاتي."
ينزل من المنصة. يقترب من سلمى. يضع يده على كتفها.
الكاتب الأول: "لن أحكم على القصص. لكن سأغير قانوناً واحداً: من اليوم، كل قصة حزينة يجب أن تكتب لها نهاية بديلة. نهاية سعيدة أو مفتوحة. ليمنح القراء والشخصيات خياراً."
هتافات في القاعة.
فارس يهمس لسلمى: "لقد انتصرتِ."
سلمى: "لم أنتصر. لقد فهموا فقط."
تخرج سلمى من قاعة المحكمة. السماء صافية. لكن فجأة، تتلقى رسالة على هاتفها. من رقم لا تعرفه.
"أحسنتِ في المحكمة. لكن القصة لم تنته. هناك من يريد تدمير كل شيء. شخصيات جديدة تظهر. أقوى من أي شيء رأيته. إنهم 'الظلال السوداء'. يريدون قتل الكاتب الأول والسيطرة على السرد. استعدي للمعركة الحقيقية."
سلمى تجمدت. تنظر إلى السماء. الغيم يتحول إلى اللون الأسود.
تهمس: "متى ينتهي هذا؟"
صوت في رأسها: "أبداً. القصص لا تنتهي. فقط تتحول."
(يتبع...)
Comments
Post a Comment