الحلقة 12: "قلب السرد"
بقلم: آدم الآمر
انتشرت تغريدة سلمى كالنار في الهشيم. خلال ساعات، تصدرت وسم #أنقذوا_شخصياتكم قائمة الترند في أكثر من أربعين دولة. الكتّاب يعلنون توبتهم، القراء يطالبون بنهايات جديدة، والشخصيات المسالمة تخرج من الظل لتشكر سلمى.
لكن ليس كل شيء وردياً.
كريم يحدق في هاتفه: "سلمى، انظري إلى هذا."
تظهر على الشاشة صورة لكاتب مشهور. أعلن أنه سيمحو كل قصصه من على الإنترنت. قال: "لن أتسبب في معاناة شخصياتي بعد اليوم." فجأة، في الفيديو المباشر، يختفي الكاتب. لم يمت. لم يغادر. اختفى ببساطة. كأنه محي من الوجود.
سلمى تشعر بالرعب: "الكاتب... اختفى؟"
الكاتب الغامض يهمس في رأسها: "إنها مجموعة جديدة. تسمي نفسها 'الماحون'. لا يريدون إصلاح القصص. يريدون محو كل شيء. الشخصيات، الكتّاب، حتى الذكريات. بدأوا بالكتّاب الذين تابوا. ليشكلوا رسالة: لا توبة، لا تغيير، فقط حذف."
سلمى: "كيف نوقفهم؟"
الكاتب الغامض: "عليكِ الوصول إلى 'قلب السرد'. المصدر الأول لكل القصص. هناك، يمكنك إعادة برمجة الواقع. لكن الطريق خطير. والماحون يعرفون الطريق أيضاً."
فجأة، يرن هاتف سلمى. دينا تتصل، صوتها مرتجف: "سلمى! لقد اخترقت خوادم الماحون. سيهاجمون خلال ساعات. هدفهم: مكتبة الإسكندرية الرقمية. حيث يحفظ أرشيف كل القصص المهملة."
سلمى: "أين؟"
دينا: "في عالم افتراضي. لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال أجهزة الواقع الافتراضي. لكني وجدت بوابة. في مكان تعرفينه جيداً. تحت المستشفى العسكري."
سلمى تغلق الهاتف. تنظر إلى كريم ونادين: "يجب أن أذهب. وحدي."
كريم: "لا! كل مرة تقولين وحدكِ وتكادين تموتين."
سلمى تبتسم: "هذه المرة مختلفة. هذه المرة، سأدخل عالمهم. عالم السرد الخالص. لا قوانين فيزياء، لا زمان، لا مكان. مجرد قصص."
نادين تمسك يدها: "خذيني معكِ. أنا شخصية. ربما أستطيع حمايتكِ هناك."
سلمى تتردد. ثم تومئ.
تصل سلمى ونادين إلى المستشفى العسكري. في الطابق السفلي، تجدان جهاز واقع افتراضي غريباً. لم ترَ مثله من قبل. أسلاك متشابكة، أضواء زرقاء تومض.
دينا تظهر عبر مكبر صوت: "هذا هو. اجلسي. ارتدي النظارات. سأرشدكِ."
تلبس سلمى النظارات. فجأة، ينهار العالم من حولها. تجد نفسها في فراغ أبيض لا نهاية له. لا أرض، لا سماء، لا جدران. فقط بياض.
صوت غريب يملأ المكان: "مرحباً سلمى. أنا 'قلب السرد'. لست شخصاً. لست مكاناً. أنا الوعي الذي يربط كل القصص."
سلمى: "أنا أبحث عن الماحون. أريد إيقافهم."
قلب السرد: "الماحون هم جزء مني. هم نتاج آلام الشخصيات. لا يمكن إيقافهم بالقوة. فقط بالفهم. اذهبي إلى حيث يكمن الخطر."
فجأة، يتشكل أمامها ممر من الضوء. تسير فيه. تصل إلى غرفة ضخمة. فيها شخصيات كثيرة، لكن عيونهم سوداء بالكامل. إنهم الماحون.
في وسطهم، رجل طويل القامة، وجهه مغطى بقناع أبيض. يرفع يده، فيتوقف الجميع.
الرجل المقنع: "سلمى. كنت أعرف أنك ستأتِين. أنا قائد الماحون. لست شخصية مهملة. أنا... أنا أول شخصية كتبت على الإطلاق. أول قصة في تاريخ البشرية. كاتبي مات منذ آلاف السنين. لكني بقيت. بقيت لأرى كل الألم الذي تسببه القصص. قررت أن أنهيها."
سلمى: "بمحو كل شيء؟"
الرجل المقنع: "نعم. سأحرر الجميع من عذاب السرد. لا حزن، لا فرح، لا شيء. مجرد سلام أبدي."
سلمى: "السلام بدون قصص هو فراغ. القصص تعلمنا الحب، الخسارة، الأمل. بدونها، لسنا بشراً."
الرجل المقنع: "البشرية لا تستحق القصص. لقد أساءت استخدامها. حوّلتها إلى سلاح. استخدمتها للإيذاء."
سلمى تتقدم خطوة: "لكن هناك من يستخدمها للشفاء. هناك من يكتب ليمنح الأمل. أنا هنا لأثبت لكِ أن التغيير ممكن. انظر إلى العالم الآن. الكتّاب يتوبون. القراء يطالبون بالعدالة. الشخصيات تنضم إلينا. نحن نصنع قصة جديدة. قصة سلام."
الرجل المقنع يصمت. ثم يخلع قناعه. وجهه عجوز، مليء بالتجاعيد، لكن عينيه زرقاوان صافيتان.
الرجل المقنع: "أريد أن أصدقكِ. لكني رأيت الكثير. أعطني دليلاً. واحداً فقط. أن البشر يمكن أن يتغيروا."
سلمى تفتح هاتفها. تشغّل البث المباشر. الملايين يشاهدون. تقول: "هذا نداء إلى كل إنسان. إلى كل قارئ. إلى كل كاتب. شخصياتكم تنظر إليكم الآن. تطلب منكم اختيار: هل تستمرون في إيذائها، أم تمنحونها فرصة؟"
تظهر التعليقات فوراً. ملايين. كتّاب يبكون وهم يعدون بتغيير نهاياتهم. قراء يشاركون قصصهم مع شخصيات أحبوها. شخصيات حقيقية تظهر في البث وتشكر سلمى.
الرجل المقنع ينظر إلى الشاشة. دمعة تسيل على خده. يهمس: "ربما... ربما أنتِ على حق."
فجأة، يهتز المكان. أصوات انفجارات. شخص من الماحون يصرخ: "الخادم! لقد اخترقنا الخادم الأساسي! ستحذف كل القصص خلال دقائق!"
الرجل المقنع يصرخ: "لا! أوقفوا الهجوم!"
لكن الأوان قد فات. الشاشات تظهر أرقاماً تتناقص. 10 دقائق... 9 دقائق...
سلمى: "ماذا نفعل؟!"
قلب السرد يهمس: "لا يمكن إيقاف الحذف. لكن يمكن نسخ القصص. إلى وعي بشري. إلى قلب إنسان. سلمى... أنتِ الوحيدة القادرة على حمل كل القصص."
سلمى: "كل القصص؟ ملايين القصص؟"
قلب السرد: "سأحملكِ. لكن الألم سيكون لا يُحتمل. ستعيشين كل نهاية حزينة، كل خيانة، كل موت. هل تستطيعين تحمله؟"
سلمى تنظر إلى كريم (الذي ظهر فجأة في هذا العالم، غير مدرك كيف وصل). تنظر إلى نادين. إلى لين التي ظهرت أيضاً. تبتسم.
سلمى: "لقد تحملت الكثير. سأتحمل هذا أيضاً. من أجلهم."
تغمض عينيها. يتدفق النور إلى جسدها. تشعر بآلاف القصص تدخل روحها. أفراح، أحزان، آلام، آمال. تصرخ من الألم.
دقيقة. دقيقتان. ثلاث.
ثم يسكت كل شيء. تفتح عينيها. الماحون اختفوا. الرجل المقنع اختفى. البياض عاد.
همس قلب السرد: "لقد أنقذتِ القصص. هنّ الآن بداخلكِ. ستحملينها ما حييتِ. وعندما تموتين، ستمررينها إلى من تختارين. شكراً لكِ."
تستيقظ سلمى في المستشفى. كريم ونادين ولين حولها، يبكون من الفرح.
كريم: "عدتِ! لقد غبتِ ساعات. كنا نظن أنكِ ماتتِ."
سلمى تبتسم بتعب: "لم أمُت. لكني الآن حاملة القصص. كل القصص."
تفتح هاتفها. التغريدة التي نشرتها قبل ساعات حققت مئات الملايين من المشاهدات. وسم #أنقذوا_شخصياتكم لا يزال في القمة.
لكن فجأة، تتلقى رسالة خاصة. من حساب بلا صورة، بلا اسم. نصها:
"أحسنتِ يا سلمى. لكن القصص الحقيقية لم تبدأ بعد. تعالي إليّ. سأريكِ ما وراء السرد."
سلمى تجمدت. تهمس: "من أنت؟"
الرد: "الكاتب الأول."
(يتبع...)
Comments
Post a Comment