الحلقة 13: "صانع الأكوان"

بقلم: آدم الآمر

ثلاثة أيام مرت منذ أن حملت سلمى كل القصص في روحها. ثلاثة أيام وهي تشعر بكل كلمة كُتبت، بكل دمعة ذرفتها شخصية، بكل أمل علقته قصة على كاتبها. لم تنم. لم تأكل. عيناها مفتوحتان على عالم لا يراه الآخرون.

كريم يجلس بجانبها، يمسك كأس ماء: "سلمى، أنتِ تذبلين. القصص بداخلكِ تلتهمكِ."

سلمى تهمس: "أعرف. لكن لا يمكنني إغلاقها. كلما أغمضت عيني، أرى شخصيات تموت من جديد."

نادين تلمس جبهتها: "إنها ساخنة. يجب أن نذهب بطلة إلى المستشفى."

سلمى تدفعها برفق: "لا. المستشفى لا يعالج ما بي. فقط 'الكاتب الأول' يستطيع مساعدتي."

فجأة، تومض الشاشة في غرفتها. رسالة جديدة من الحساب بلا صورة، بلا اسم. هذه المرة، فيديو. تفتحه سلمى.

يظهر رجل عجوز. وجهه ليس بشرياً تماماً. ملامحه تتغير كل ثانية: تارة وجه طفل، وتارة وجه شيخ، وتارة وجه امرأة. صوته عميق كالأرض، خفيف كالنسيم.

الرجل العجوز: "سلمى، لقد حان الوقت. تعالي إليَّ. سأريكِ ما وراء السرد. لكن احذري، الطريق سيمتحن إيمانكِ."

سلمى: "أين أنت؟"

الرجل العجوز: "في المكان الذي خُلقت فيه القصص. في أول كلمة كُتبت على الإطلاق. اتبعي الخيط."

تختفي الصورة. بدلاً منها، يظهر خيط من نور على الأرض. يخرج من باب الشقة. سلمى تتبعه. كريم ونادين يلحقان بها.


الخيط يقودهم إلى مكان غريب. ليس في القاهرة. إنه في الفضاء. لكن ليس الفضاء الذي يعرفه البشر. إنه فضاء من الكلمات. حروف معلقة في الهواء، جمل تطفو كالسحب، فصول تتساقط كالمطر.

كريم يلهث: "أين نحن؟"

صوت الرجل العجوز: "أنتم في 'المكتبة الأولى'. هنا وُلدت أول قصة. هنا كُتبت أول كلمة. هنا بدأ كل شيء."

تظهر أمامهم بوابة ضخمة. عليها نقوش بلغة لا يعرفونها. لكن سلمى تستطيع قراءتها. القصص بداخلها تترجم لها.

البوابة تقول: "هنا يدخل من يحمل كل القصص. هنا يلتقي الخالق بمخلوقاته."

تلمس سلمى البوابة. تنفتح. يدخلون.


في الداخل، غرفة لا نهائية. جدرانها من الكتب. آلاف الكتب، ملايين الكتب، مليارات الكتب. كل قصة كُتبت في التاريخ البشري. كل أسطورة، كل حكاية، كل رواية. بعضها مكتوب بلغة البشر، وبعضها بلغة قديمة جداً.

في وسط الغرفة، الرجل العجوز يجلس على كرسي من ورق. وجهه الآن مستقر: رجل في الثمانين، عينان زرقاوان تخترقان الروح.

الرجل العجوز: "مرحباً سلمى. أنا 'الكاتب الأول'. لكن البشر أطلقوا عليَّ أسماء كثيرة: بعضهم دعاني الله، بعضهم دعاني القدر، وبعضهم دعاني الصدفة. أنا لست أياً من هذه. أنا الوعي الذي قرر أن يخلق القصص. قبل الزمان، قبل المكان، كنتُ وحدي. فقررت أن أخلق عالماً. وكيف يُخلق عالم؟ بالكلمات. فقلت: 'ليكن'. وكل شيء أصبح قصة."

سلمى: "لماذا أحضرتني إلى هنا؟"

الكاتب الأول: "لأنكِ أثبتِ أن القصص يمكن أن تتغير. وأن الشخصيات يمكن أن تختار مصيرها. أنا بحاجة إلى مساعدتكِ. القصص في خطر حقيقي. ليس من الماحون، بل من شيء أكبر."

سلمى: "ماذا؟"

الكاتب الأول يرفع يده. تظهر شاشة عملاقة. عليها إحصائيات مرعبة:

  • ٣٧٪ من الكتّاب استخدموا الذكاء الاصطناعي لكتابة قصصهم بالكامل.

  • أكثر من ٢٠٠٠ قصة أُلغيت أو حُظرت في أمريكا وحدها خلال هذا العام.

  • آلاف الشخصيات "الميتة" في القصص القديمة بدأت تختفي من وعي سلمى. إنها تُمحى حقاً.

الكاتب الأول: "الذكاء الاصطناعي يغزو عالم القصص. يكتب روايات دون روح. البشر يمنعون الكتب التي لا تعجبهم. الشخصيات تُنسى. تختفي. وإذا اختفت القصص، اختفى وعي البشر. اختفى كل شيء."

سلمى: "ماذا أفعل؟"

الكاتب الأول: "سأعطيكِ قلمي. ليس قلم حبر، بل قلم خلق. به تستطيعين كتابة نهايات جديدة لأي قصة. لكن لكل استخدام ثمن. جزء من حياتكِ يختفي مع كل كلمة تكتبينها."

سلمى تتردد. تنظر إلى كريم، إلى نادين. ثم تقول: "سأفعل. لكن ليس وحدي. العالم كله يجب أن يشارك."

الكاتب الأول يبتسم: "هذا هو الفرق بيني وبينكِ. أنا خلقت القصص وحدي. لكنكِ ستكتبينها مع الجميع. اختاري من تثقين به."

سلمى تفتح هاتفها. تغرد:

"أحتاج إلى مساعدتكم. العالم على وشك أن يفقد قصصه. اكتبوا لي نهاياتكم المفضلة. سأحولها إلى حقيقة."

خلال دقائق، تصلها آلاف الردود. قصص من كل أنحاء العالم، من كل الثقافات، من كل الأعمار.

تغمض سلمى عينيها. تشعر بقلم الكاتب الأول في يدها. تبدأ في الكتابة. لكن ليس بالحبر. بالضوء.

كل كلمة تكتبها تعيد كتابة قصة منسية. شخصية تختفي تعود إلى الحياة. نهاية حزينة تتحول إلى نهاية سعيدة.

لكن الألم لا يُحتمل. مع كل جملة، تشعر سلمى بأن عمرها ينقص. تتساقط شعرها ريشاً أبيض. تجاعيد تظهر على وجهها.

كريم يصرخ: "توقفي! ستموتين!"

سلمى تبتسم: "الأمر يستحق."

تكتب الكلمة الأخيرة. ثم تسقط على الأرض. لا حراك.


لكن روحها لا تزال حية. تطفو فوق جسدها. ترى العالم من الأعلى. ترى القصص تعود إلى الحياة. ترى الشخصيات تبكي فرحاً. ترى الكتّاب يبكون ندماً. ترى البشر يتكاتفون لإنقاذ ما تبقى.

صوت الكاتب الأول يهمس: "لقد أنقذتِ القصص. لكن ثمن ذلك كان حياتكِ. هل تندمين؟"

سلمى: "لا. لكني أشعر بالوحدة."

الكاتب الأول: "لست وحدكِ. انظري إلى الأسفل."

تنظر. ترى كريم يحتضن جسدها ويبكي. ترى نادين تمسك يدها. ترى لين تركض من عالمها وتجلس بجانبها. ترى الشريرة تخرج من الظل، تضع يدها على قلب سلمى. فجأة، ينبض القلب مجدداً.

تعود سلمى إلى جسدها. تفتح عينيها. كريم يصرخ فرحاً. لين تحتضنها. الشريرة تبتسم.

سلمى: "ماذا حدث؟"

الشريرة: "أنتِ أنقذتِ القصص. والقصص أنقذتكِ. الآن نحن متصلون إلى الأبد."

سلمى تجلس. تنظر إلى الكاتب الأول. لكنه اختفى. مكانه، مرآة. تعكس وجهها. لكن وجهها ليس وجهها. إنه وجه كل شخصية أنقذتها.

تهمس: "هل أنا حقيقية الآن؟"

صوت الكاتب الأول من العدم: "أنتِ أكثر من حقيقية. أنتِ القصة نفسها."

(يتبع...)

هل وصلت إلى هنا بالصدفة؟ القصة بدأت هنا 👇
https://misbaradel.blogspot.com/2026/03/blog-post.html

Comments

Popular posts from this blog

سلمى: ما وراء السرد

Benefits of Banana Peels for the Skin: A Secret to Natural Beauty

فوائد قشر الموز للبشرة: سر جمال طبيعي مذهل