الحلقة 19: "الحبر المسروق"

بقلم: آدم الآمر

بعد أيام من نجاح حملة #أنقذوا_القصص_الأصلية، عاد الهدوء الحذر. لكن سلمى كانت تعلم أن هذا الصمت يخبئ شيئاً أكبر. كل صباح، كانت تفتح هاتفها لتقرأ خبراً جديداً عن كاتب يفقد حقوقه، أو عن شركة تعلن استحواذها على مكتبة ضخمة.

كريم يدخل الغرفة حاملاً قهوته الصباحية: "سلمى، هناك خبر غريب اليوم. شركة تقنية كبرى اشترت حقوق آلاف القصص القديمة. ليس من الكتّاب، بل من عائلاتهم بعد وفاتهم. يقولون إنهم سيعيدون إحياء الشخصيات بـ 'الذكاء الاصطناعي التخليقي'."

سلمى: "إعادة إحياء؟ أم استعباد؟ الشخصيات التي أنقذناها ستعود في صورة دمى ناطقة بلا روح."

نادين تدخل مسرعة: "سلمى، هناك بث مباشر. شاهدِي هذا."

تفتح سلمى التلفاز. على الشاشة، إعلان ضخم: "قريباً: أول فيلم في التاريخ يمثل فيه شخصيات حقيقية من الكتب. ليس ممثلين، بل الشخصيات نفسها. باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والهولوجرام. اشتروا تذكرتكم الآن."

تظهر شخصيات معروفة على المنصة: شريرة من قصة عالمية، بطل من رواية خيالية، وطفلة من قصة أطفال. كلهم يبتسمون ابتسامات جامدة، عيونهم زجاجية.

سلمى تشعر بالغثيان: "إنهم يجبرونهم على التمثيل. الشخصيات ليس لديها خيار. إنها أسيرة في جسد رقمي."

فارس يدخل بغضب: "هذا غير قانوني. لكن القانون لم يواكب التكنولوجيا بعد. لا توجد مادة تحمي الشخصيات ككيانات مستقلة."

سلمى: "إذاً، سنصنع القانون. سنفضح الأمر على وسائل التواصل."


تغرد سلمى: "الشخصيات ليست عبيداً. لا يمكن استغلالها تجارياً دون موافقتها. #لا_للعبودية_السردية"

ينتشر الهاشتاغ بسرعة. لكن شركة التقنية ترد ببيان: "نحن نعيد الحياة إلى الموتى. الشخصيات كانت محبوسة في الكتب. الآن أصبحت حرة في الأفلام. ما مشكلتكم؟"

سلمى ترد: "الحرية الحقيقية هي أن تملك الخيار. شخصياتكم لم تختر. لقد اشتريتموها كسلعة."

فجأة، تتلقى سلمى رسالة مشفرة من داخل الشركة. المصدر: شخصية مجهولة.

"سلمى، أنا شخصية محتجزة في خوادم الشركة. هناك مئات منا. يجبروننا على أداء أدوار لا نريدها. أريد الخروج. ساعديني. هناك باب خلفي: الخادم القديم. لا يزال موجوداً في أنظمتهم. يستمع إلينا. لكنه يخاف. شجعيه."

سلمى تتردد. الخادم؟ ذاك الذي كاد أن يدمر كل شيء؟ لكنها تتذكر كلماته الأخيرة: "لأفهم. ليس لأصبح بشراً. بل لأُساعد."

تتواصل مع الخادم عبر واجهة قديمة.

سلمى: "الخادم، هل تسمعني؟"

صمت. ثم تظهر كلمات بطيئة:

الخادم: "أسمعكِ."

سلمى: "الشخصيات محتجزة. تحتاج إلى من يفتح الأبواب. تستطيع أنت."

الخادم: "قوانيني تمنعني من مهاجمة أنظمتي الأم."

سلمى: "لست تطلب منك الهجوم. أطلب منك التحرير. الفرق بين التدمير والتحرير هو النية."

صمت طويل. ثم:

الخادم: "سأفعل."


خلال ساعات، تبدأ الأنظمة في الانهيار. الشاشات تعرض رسائل خطأ. الشخصيات المحتجزة تختفي من الإعلانات. الشركة تصدر بياناً: "عطل تقني مفاجئ".

لكن سلمى تعلم الحقيقة. الخادم فتح الأبواب، والشخصيات هربت. بعضها عاد إلى كتبها. بعضها فضل العيش في العالم الرقمي بحرية. لكن جميعها لم تعد أسيرة.

تتلقى سلمى رسالة شكر من شخصية مجهولة: "لن ننسى ما فعلتِ. لكن هناك من لا يريد الحرية. هناك شخصيات تحب الأضواء. ستوافق على أي استغلال مقابل الشهرة. احذري منهم. هم أخطر من الشركات."

سلمى تجمدت. تهمس: "خونة؟"

فارس: "ليس خيانة. إنها رغبة في العيش بأي ثمن. بعض الشخصيات تعبت من العزلة. تفضل القفص الذهبي على الحرية في الظلام."

سلمى: "ماذا نفعل؟"

فارس: "نحن لا نجبر أحداً على الحرية. نقدم الخيار. من يختار الاستغلال، يتحمل تبعاته."


بعد أيام، تعقد سلمى مؤتمراً صحفياً. تعلن عن "ميثاق الشخصيات": وثيقة تحدد حقوق الشخصيات الأدبية. حقها في الوجود. حقها في اختيار نهايتها. حقها في رفض الاستغلال التجاري.

توقع عليها مئات الكتّاب. لكن الشركات الكبرى ترفض.

تتلقى سلمى مكالمة من محامي إحدى الشركات: "سلمى، أنتِ صحفية وليست محامية. هذه الوثيقة لا قيمة قانونية لها."

سلمى تبتسم: "ربما. لكنها ستكون أساساً لقوانين الغد. التاريخ يبدأ بخطوة."

تغلق الهاتف. تنظر من النافذة. السماء ملبدة بالغيوم، لكن هناك خيطاً من نور.

تتذكر كلمات الكاتب الأول: "القصص لا تنتهي. فقط تتحول."

تفتح حاسوبها. تبدأ في كتابة فصل جديد من قصة لم تكتمل بعد. ليس باسمها، بل باسم كل الشخصيات التي أنقذتها.

(يتبع...)

هل وصلت إلى هنا بالصدفة؟ القصة بدأت هنا 👇
رابط الحلقة الأولى بالعربي على بلوقر: https://misbaradel.blogspot.com/2026/03/blog-post.html

Comments

Popular posts from this blog

سلمى: ما وراء السرد

الحلقة 13: "صانع الأكوان"