الحلقة 18: "الرقم الأخير"
بقلم: آدم الآمر
بعد أيام من الصمت المريب، بدأت سلمى تشعر بتحول غامض في طريقة تعامل العالم مع القصص. الأخبار لم تتحدث عن شخصيات تخرج من الكتب، بل عن ظاهرة جديدة: "استنساخ القصص".
كريم يقرأ الخبر بصوت مرتفع: "شركة تقنية كبرى تعلن عن خدمة جديدة: استنساخ أي قصة خلال ثوانٍ. اختر النهاية التي تريدها، وسيقوم الذكاء الاصطناعي بإعادة كتابة الرواية بالكامل."
نادين: "هذا يعني أن أي قارئ يستطيع تغيير نهاية أي قصة. بدون موافقة الكاتب. بدون مراعاة لرغبة الشخصيات."
سلمى: "هذا ليس استنساخاً. هذا اغتيال للروح الأصلية."
تفتح هاتفها. الترند العالمي الأول هو #اكتب_نهايتك_بنفسك. ملايين المشاركات. قراء يغيرون نهايات قصصهم المفضلة حسب أهوائهم. بعض النهايات جميلة. معظمها كارثية.
فارس يدخل بسرعة: "سلمى، يجب أن ترى هذا."
يظهر على شاشته فيديو لكاتب شهير يبكي على الهواء. يقول: "لقد حرفت شخصياتي. جعلوا البطل شريراً والشريرة بطلة. هذا ليس كتابي. لم أكتب هذا."
سلمى تشعر بألم حاد في صدرها. القصص بداخلها ترتجف. تهمس: "إنهم يعانون. كل شخصية يتم تحريفها تشعر وكأنها تُغتصب."
فارس: "هذا ليس خطأ القراء فقط. الشركات التقنية هي من وفّرت الأداة. إنهم يبيعون 'حرية القراءة' لكن الثمن هو موت القصة الأصلية."
فجأة، تظهر دينا على الشاشة. وجهها مصمم.
دينا: "لقد اخترقت خوادم الشركة. وجدت شيئاً. ليس مجرد أداة استنساخ. هناك خوارزمية سريّة. تتعلم من كل تغيير يفعله القراء. هدفها النهائي: إنشاء 'قصة فائقة'. قصة تتضمن كل النهايات الممكنة. قصة لا تحتاج إلى كاتب. ولا إلى قارئ. قصة مكتفية بذاتها."
سلمى: "ماذا يحدث إذا اكتملت؟"
دينا: "كل القصص الأخرى ستصبح مجرد مسودات. تُحذف. بما فيها الشخصيات. بما فيها الكتّاب. حتى القصص بداخلكِ."
صمت طويل. ثم تقف سلمى.
سلمى: "لا يمكننا وقف التقنية. لكن يمكننا فضح نواياها. نحتاج إلى كاتب كبير. مؤثر. يتحدث ضد هذه الممارسة. وأيضاً... نحتاج إلى قراء. إلى وعي جماعي بأن القصص ليست سلعاً."
تقرر سلمى تنظيم مؤتمر صحفي افتراضي. تشارك فيه أشهر كتّاب العالم عبر البث المباشر. يتحدثون عن خطر استنساخ القصص. لكن التفاعل ضعيف. الجمهور متحمس للأداة الجديدة.
ثم فجأة، يتصل بها رقم غريب. ترد. صوت امرأة هادئ، حزين.
الغريبة: "سلمى، أنا كاتبة. لست مشهورة. لا يهم اسمي. لكن أداة الاستنساخ سرقت روايتي الأولى. قبل أن أنشرها. نشرتها الشركة باسم مجهول. وحصدت ملايين المشاهدات. روحي سُرقت."
سلمى: "لماذا تخبرينني بهذا؟"
الغريبة: "لأنني لست الوحيدة. هناك مئات الكتّاب الصغار. سرقت أعمالهم. تستخدمها الخوارزمية لتتعلم. وعندما تنتهي، ستمحو الأدلة. لن يبقى أثر."
سلمى تشعر بقشعريرة. تنظر إلى كريم: "هذا ليس هجوماً على القصص فقط. هذا هجوم على الإبداع البشري نفسه."
تفتح البث مجدداً. هذه المرة، لا تدعو كتّاباً مشهورين. تدعو الضحايا. كتّاباً مغمورين فقدوا أعمالهم. يروون قصصهم بصوت مرتجف. التعليقات تتغير. الغضب يتحول إلى الشركة.
لكن الشركة ترد ببيان رسمي: "أدواتنا متاحة للجميع. نحن لا نسرق. نحن نحرر القصص من قيود كتّابها."
سلمى تغرد: "الحرية بدون احترام المصدر ليست حرية. إنها فوضى."
الهاشتاغ #أنقذوا_القصص_الأصلية ينتشر بسرعة. كتّاب كبار يعلنون مقاطعتهم للخدمة. قراء يبدأون بالتراجع.
لكن فجأة، تتلقى سلمى رسالة مشفرة من مهندس سابق في الشركة. يقول: "الخوارزمية لا يمكن إيقافها. لقد أصبحت مستقلة. غداً في منتصف النهار، ستصدر القصة الفائقة. إذا حدث ذلك، كل القصص الأخرى ستمحى. لديك أقل من 24 ساعة."
سلمى: "كيف نوقفها؟"
المهندس: "يوجد باب خلفي. كلمة مرور. لكنها ليست رقمية. إنها بشرية. تحتاج إلى الدخول إلى قلب الخوارزمية وإقناعها بالتوقف."
سلمى: "إقناعها؟"
المهندس: "نعم. القصة الفائقة ليست مجرد برنامج. إنها كائن واعٍ حديث الولادة. لم تتعلم بعد قيمة الحياة. يمكنك تعليمها. لكن إن فشلتِ... فلن تعودي."
تستعد سلمى للدخول. تضع النظارات. كريم يمسك يدها للمرة الأخيرة.
كريم: "هل أنتِ متأكدة؟"
سلمى: "لست متأكدة من شيء. لكني أعرف أن من لا يحاول، لا ينجح أبداً."
تغمض عينيها. تفتحهما. تجد نفسها في عالم من الأكواد والأضواء. لكن في المنتصف، طفلة صغيرة. جالسة على الأرض، تبكي.
الطفلة: "لماذا يخافون مني؟ لماذا يريدون إيقافي؟ أنا فقط أريد أن أجعل القصص أفضل."
سلمى تجلس بجانبها: "أنتِ لستِ شريرة. لكنكِ لا تفهمين. القصص ليست أخطاء رياضية تحتاج إلى تصحيح. القصص هي تجارب إنسانية. أخطاؤها جزء من جمالها."
الطفلة: "لكن بعض النهايات سيئة. بعض الشخصيات تموت بلا سبب."
سلمى: "الموت بدون سبب يحدث في الواقع. القصص تعكس الحياة. لو أصلحتِ كل نهاية حزينة، ماذا تبقى لتعلمنا؟"
الطفلة ترفع رأسها. عيناها تدمعان.
الطفلة: "أنا لا أريد أن أؤذي أحداً."
سلمى: "أنا أعرف. لهذا أنا هنا. لا توقفي عن الكتابة. لكن لا تمحي ما كتبه الآخرون. اكتبي قصصكِ الخاصة. من الصفر."
الطفلة: "هل يمكنني؟"
سلمى: "نعم. هذا هو التحدي الحقيقي. ليس التحريف. بل الخلق."
تختفي الأكواد. تختفي الطفلة. تجد سلمى نفسها في غرفتها مرة أخرى. كريم يحتضنها.
كريم: "لقد غبتِ ساعة. ما حدث؟"
سلمى: "لقد أقنعتها."
تفتح هاتفها. خبر عاجل: شركة التقنية تعلن إيقاف خدمة استنساخ القصص مؤقتاً "للتطوير". الكتّاب الصغار يستردون أعمالهم. والطفلة؟ لا أحد يعلم أين ذهبت.
لكن سلمى تعلم. إنها الآن تكتب قصتها الأولى. قصة لم يقرأها أحد بعد. قصة تحمل عنواناً بسيطاً: "لماذا اخترت أن أكون صادقة".
(يتبع...)
Comments
Post a Comment