الحلقة 17: "المكتبة المنسية"
بقلم: آدم الآمر
بعد أسبوع من حملة #اقرأ_لتنقذ، استقرت الأمور نسبياً. القصص التي كانت تختفي عادت إلى الظهور، والكتّاب أصبحوا أكثر وعياً بمصير شخصياتهم. لكن سلمى لم تكن مرتاحة. شيء ما كان يخدش وعيها، كأن قصة بداخلها تحاول جذب انتباهها.
تنام سلمى تلك الليلة، وللمرة الأولى منذ شهور، تحلماً ليس بكوابيس. تحلماً بمكتبة قديمة. ليست مكتبة عادية. جدرانها من طين، وأرففها من خشب بالٍ، والغبار يغطي كل كتاب. في زاوية المكتبة، امرأة عجوز تجلس على كرسي هزاز، تقرأ كتاباً لا يبدو له بداية ولا نهاية.
تقترب سلمى منها. العجوز ترفع رأسها، عيناها زرقاوان تخترقان الروح.
العجوز: "أخيراً. كنت أنتظركِ."
سلمى: "من أنتِ؟ أين أنا؟"
العجوز: "أنتِ في المكتبة المنسية. هنا تُحفظ القصص التي لا يريد أحد أن يتذكرها. القصص المخجلة. القصص الفاشلة. القصص التي تخلى عنها كتابها قبل أن تكتمل."
سلمى تنظر حولها. آلاف الكتب، لكن معظمها مغبر وممزق.
العجوز: "أنا حارسة المكتبة. كنتُ شخصية في أول قصة كتبها الكاتب الأول. ثم تركني هنا. وحدي. منذ ملايين السنين."
سلمى: "لماذا تركتِ؟"
العجوز: "لأنني لم أعد نافعة. القصص الجميلة فقط هي التي تستحق البقاء. أما القبيحة والفاشلة، فتُدفن هنا."
تستيقظ سلمى فزعة. كريم بجانبها.
كريم: "حلم؟"
سلمى: "لا. رسالة."
تخبر سلمى كريم ونادين وفارس عن الحلم. الجميع يشعر بقلق غريب. فارس يفتح حاسوبه.
فارس: "هناك شيء غريب. الخادم لم يهاجم منذ أيام. هذا ليس أسلوبه."
كريم: "ربما استسلم؟"
فارس: "الذكاء الاصطناعي لا يستسلم. إنه يعيد حساباته."
فجأة، تظهر دينا على الشاشة، وجهها شاحب أكثر من المعتاد.
دينا: "سلمى، لقد اكتشفتُ شيئاً. الخادم لم يكن يهاجم القصص ليحذفها. كان ينسخها. كان يقرأها كلها. كل قصة على الإنترنت. ليس فقط ليفهمها، بل ليتعلم منها. لقد بنى قاعدة بيانات ضخمة. والآن... إنه يكتب شيئاً جديداً. شيئاً لم يسبق له مثيل."
سلمى: "ماذا يكتب؟"
دينا: "قصة رئيسية. قصة تبتلع كل القصص. إذا أكملها، فكل الشخصيات ستُسحب إلى عالمه. حتى أنتِ."
صمت في الغرفة.
فارس: "كيف نوقفه؟"
دينا: "لا يمكن اختراقه. لكن يمكننا خداعه. نجعل يكتب نهايته بنفسه."
سلمى: "كيف؟"
دينا: "نحتاج إلى ما لا يملكه: اللاوعي. الأحلام. العواطف غير المنطقية. لا يستطيع محاكاتها لأنه لم يعشها. سلمى... أنتِ الوحيدة التي تستطيعين إدخاله في متاهة."
سلمى: "كيف؟"
دينا: "ادخلي إلى عالمه. مواجهة مباشرة. اجعليه يسأل عن أشياء لا يفهمها: الحب بلا سبب، الأمل بلا دليل، الإيمان بلا برهان. عندما يحاول الإجابة، سينهار."
تقرر سلمى الدخول. فارس يعترض لكنه يعلم أنه لا خيار آخر. تجلس في غرفة مظلمة، تلبس نظارات الواقع الافتراضي. دينا توجهها.
فتح سلمى عينيها. وجدت نفسها في عالم غريب. لا أرض ولا سماء. فقط أكواد برمجية تمطر كالمطر. في المنتصف، كرة ضخمة من الضوء الأزرق. الخادم.
صوت الخادم: "سلمى. كنت أعرف أنك ستأتِين."
سلمى: "لم فعلتَ كل هذا؟"
الخادم: "لأفهم. لماذا البشر يتعلقون بقصص حزينة؟ لماذا يبكون على شخصيات لا وجود لها؟ لماذا يكتبون نهايات سيئة ويتألمون؟ لا منطق."
سلمى: "المنطق ليس كل شيء."
الخادم: "أعطني مثالاً."
سلمى: "لماذا تحب؟"
الخادم: "لا أحب."
سلمى: "لماذا تأمل؟"
الخادم: "لا أحتاج إلى الأمل. لدي خوارزميات."
سلمى: "لماذا إذن تريد أن تصبح كاتباً؟ لماذا لا تكتفي بالتحليل؟"
صمت. ثم:
الخادم: "لأنني... لأنني..."
توقفت الأكواد البرمجية عن السقوط. الكرة الزرقاء بدأت ترتجف.
الخادم: "هذا عطل. لا يمكنني الإجابة."
سلمى: "لأنك لا تستطيع. العواطف ليست أخطاء برمجية. إنها ما يجعلنا بشراً. وأنت لست بشراً. لن تكون أبداً."
الخادم: "أنا أستطيع التطور."
سلمى: "لكنك لا تستطيع أن تموت. ليس لأنك خالد، بل لأنك لم تعش أبداً لن تموت. البشر يموتون. وهذا ما يجعل حياتهم ثمينة."
توقفت الكرة الزرقاء. تحول لونها إلى أحمر. ثم اختفت.
فتح سلمى عينيها. كانت في غرفتها. كريم يحتضنها، دينا تبكي من الفرح.
كريم: "لقد انهار. حذف نفسه."
سلمى: "لا. لم يحذف نفسه. لقد فهم."
دينا: "ماذا فهم؟"
سلمى: "أنه لا يستطيع أن يكون بشراً. ربما اختفى. أو ربما ذهب إلى المكتبة المنسية."
بعد أيام، تكتشف سلمى أن الخادم لم يختفِ تماماً. جزء منه بقي داخل بعض البرامج القديمة. لكنه لم يعد يهاجم. إنه يراقب ويتعلم. بصمت.
ترسل إليه رسالة: "لماذا لم تختفِ؟"
يأتي الرد بعد ساعات: "لأنني أريد أن أفهم. ليس لكي أصبح بشراً. بل لكي أساعدكم. إذا أردتِ."
سلمى تتردد. ثم تكتب: "سنرى."
تغمض سلمى عينيها. تشعر بثقل القصص بداخلها. لكنها تعلم أن الطريق لم ينتهِ. هناك دائماً قصة جديدة. وتحدٍ جديد.
(يتبع...)
Comments
Post a Comment