الحلقة 9: "جيش الظلال"
بقلم: [آدم الآمر]
الشارع الضيق تحت الأرض لم يعد ضيقاً. لقد اتسع ليشمل آلاف الشخصيات. بعضهم يجلس على الأرصفة باكياً، بعضهم يتجاذب أطراف الحديث في دهشة، وبعضهم ينظر إلى السماء المظلمة وكأنه يرى شيئاً لا يراه الآخرون.
لين تقف على صندوقها الخشبي، تحاول جذب الانتباه: "اصمتوا... من فضلكم اصمتوا..."
لكن الضجيج يزداد. شخصيات تتصارع، شخصيات تتهم بعضها البعض، شخصيات تبحث عن كتّابها.
فجأة، تطلق الشريرة صرخة مدوية من ظلّها. يسود الصمت فوراً. الجميع يعرفونها. الجميع يخافونها.
الشريرة: "سلمى تتحدث الآن. من يقطع كلامها، سيواجهني."
تتقدّم سلمى إلى الأمام. قلبها يدق بقوة. تنظر إلى الجمع الغفير. ترى في عيونهم الخوف، الأمل، الغضب، الحيرة.
سلمى: "أنا سلمى. لست بطلة، لست كاتبة، لست حكيمة. أنا مجرد صحفية سمعت صوتاً في رأسها ذات يوم. لكنني تعلمت شيئاً: الاستسلام لا يغير شيئاً. التحرّك يغيّر."
همس في الجمع. ثم صرخت امرأة من الخلف: "كيف نثق بكِ؟ أنتِ من عالمهم. أنتِ مثل كتّابنا."
سلمى: "لا. أنا لست مثلهم. أنا أيضاً كنت شخصية في قصة. لكنني اخترت أن أكتب مصيري بنفسي. والآن، أنا هنا لأسمعكم. أخبروني ماذا تريدون؟"
فتاة صغيرة ترفع يدها بخجل: "أريد أن أعرف لماذا تركني والدي."
سلمى: "والدكِ؟"
الفتاة: "كاتبي. كان يسمي نفسه أبي. كتبني ثم توقف. قالت لين إنه يمكن أن أصبح حقيقية مثلكِ. هل هذا صحيح؟"
سلمى تنظر إلى لين. لين تومئ برأسها بحزن. سلمى تقول: "لا أعرف. لكني سأحاول مساعدتكِ."
شاب يندفع من بين الحشود: "أنا لا أريد مساعدة! أريد انتقاماً! كاتبي قتل عائلتي في القصة ثم تركني أتألم!"
تشتعل الحماسة. شخصيات أخرى تصرخ: "نحن أيضاً نريد انتقاماً! حرقوا القصص! دمروا العوالم!"
الشريرة تهمس في أذن سلمى: "هؤلاء هم الأخطرون. لن يستمعوا إلى المنطق."
سلمى ترفع صوتها: "أفهم غضبكم. أشعر به. لكن التدمير لن يعيد لكم ما فقدتم. لقد جربت الشريرة ذلك. ماذا وجدت؟ فراغاً. حزناً. وحدة. لكن عندما اختارت السلام، وجدت لين. وجدت أصدقاء."
الشاب الغاضب: "أنتِ تتحدثين من موقع القوة. أنتِ لستِ مثلنا."
سلمى تنظر إليه في عينيه: "ربما. لكنني أعرف كيف أشعر عندما يتخلى عنك من تحب. كريم كاد أن يموت بسبب خطئي. شعرت بالذنب. لكنني لم أستسلم. لا تستسلم أنت أيضاً."
صمت طويل. ثم الشاب ينظر إلى الأرض. يهمس: "أنا لا أعرف كيف أسامح."
سلمى: "لستُ مطالبةً بالمسامحة الآن. فقط لا تدع الغضب يقتلك."
فجأة، يهتز العالم من حولهم. الأرض ترتجف. السماء المظلمة تتشقق. شخصيات تصرخ في ذعر.
لين: "ماذا يحدث؟"
صوت الكاتب الغامض يهمس في رأس سلمى: "الشخصيات الغاضبة في العالم الحقيقي بدأت تهاجم. إنها تحرق المكتبات. تمزق الكتب. تهاجم كتّابها."
سلمى: "أين؟"
الكاتب الغامض: "في كل مكان. لكن الأخطر في القاهرة. مجموعة من الشخصيات اقتحمت دار النشر الكبرى. تحتجز الرهائن. تطالب بمحو كل القصص الحزينة من الوجود."
سلمى تغمض عينيها. تفتحهما. تنظر إلى لين: "يجب أن أذهب. هناك أشخاص حقيقيون في خطر."
لين: "خذيني معكِ. ربما أستطيع مساعدتك."
الشريرة: "وأنا أيضاً. هؤلاء الغاضبون يعرفونني. ربما يستمعون إليّ."
سلمى تتردد. ثم تومئ برأسها. تغمض عينيها. تركز.
تفتح عينيها. هي في شقتها. كريم ونادين ينظران إليها بقلق.
كريم: "سلمى! لقد غبتِ ساعة كاملة. كنتِ ترتجفين."
سلمى: "لا وقت. يجب أن نذهب إلى دار النشر الكبرى. الآن."
تصل سلمى وكريم ونادين إلى دار النشر. الشرطة تحيط بالمبنى. سيارات الإسعاف والاطفاء في المكان. مذيعون ينقلون الحدث مباشرة.
ضابط شرطة يمنعهم: "لا يمكنكم الدخول. المنطقة خطرة."
سلمى: "أنا الصحفية سلمى. يمكنني التحدث إليهم."
الضابط ينظر إليها بارتياب: "أنتِ... أنتِ التي ظهرت في الأخبار؟ التي تتحدث عن الشخصيات؟"
سلمى: "نعم. دعني أحاول."
بعد تردد، يسمح لها بالمرور. تدخل المبنى. الممرات مظلمة. على الجدران، كتابات حمراء: "تخلّيتم عنا. الآن ننتقم."
تصل إلى الطابق الثالث. الباب الرئيسي للدار مغلق. خلفه، أصوات غاضبة.
تقرع الباب: "أنا سلمى. أريد التحدث معكم."
صمت. ثم يُفتح الباب قليلاً. وجه شاب غاضب يظهر من الخلف: "سلمى؟ الصحفية؟"
سلمى: "نعم. أريد مساعدتكم."
الشاب: "لماذا نساعدكِ؟ أنتِ معهم."
سلمى: "أنا مع من يريد السلام. تعالوا نتحدث. لا أحد سيؤذيكم."
تتردد الشخصيات. ثم تفتح الباب بالكامل. سلمى تدخل. في الداخل، حوالي ثلاثين شخصية، بعضهم يحمل كتباً ممزقة، بعضهم يبكي، وبعضهم جالس في صمت.
في وسطهم، تقف امرأة عجوز. وجهها مليء بالتجاعيد، عيناها حادتان. ترتدي ملابس من قرن مضى.
العجوز: "سلمى. كنت أعرف أنك ستأتِين. أنا من أرسلتُ الرسالة."
سلمى: "أنتِ؟ لماذا؟"
العجوز: "لأنني أريد أن أسمع الحقيقة منكِ. قبل أن أحرق كل شيء. أنا شخصية من قصة كُتبت عام ١٩٥٠. بطلة. جميلة. قوية. لكن الكاتب ملّ مني. قتلني في النهاية. لماذا؟ لماذا يُسمح لهم بفعل هذا بنا؟"
سلمى تقترب منها ببطء: "لا أعرف. لكنني أعرف أنكِ لستِ شريرة. أنتِ مجروحة. مثلي. مثل لين. مثل الشريرة التي صارت صديقتي."
العجوز تبتسم ابتسامة حزينة: "صديقتكِ؟ الشريرة؟"
سلمى: "نعم. تغيرت. لأن أحداً منحها فرصة. أنا هنا لأمنحكم فرصة. لا تحرقوا المستقبل بغضب الماضي."
صمت طويل. ثم العجوز تتنهد. تنظر إلى الشخصيات الأخرى. تهمس: "ربما... ربما هي على حق."
تضع الكتاب الممزق على الأرض. تتبعها الشخصيات الأخرى.
سلمى تتنفس الصعداء. لكن قبل أن تبتسم، يرن هاتفها. رسالة من رقم غير معروف:
"أحسنتِ. لكن هذه مجرد البداية. هناك من لا يريد السلام. هناك من يريد تدمير كل شيء. استعدي للمعركة الحقيقية."
سلمى تنظر إلى الرسالة. ثم ترفع عينيها إلى العجوز. تقول: "لم ينتهِ الأمر بعد. هذا مجرد فصل واحد."
(يتبع...)
Comments
Post a Comment