الحلقة 3: "أول الغيث"
صباح الأربعاء. تستيقظ سلمى على صوت رنين هاتفها. كريم يتصل للمرة العاشرة.
كريم: "سلمى! أخيراً أجبته! أين كنتِ منذ البارحة؟ الجريدة كلها تسأل عنكِ."
سلمى: "كنتُ... مشغولة. هل هناك جديد؟"
كريم: "الشرطة تطلبكِ. عثروا على جثة ثالثة في الزمالك... وشاب في العشرين من عمره اختفى اليوم. المحقق مصرّ على التحدث معكِ شخصياً."
سلمى تجلس في سريرها. تنظر إلى المرآة المقابلة. لا شيء هذه المرة.
سلمى: "سآتي حالاً."
تغلق الخط. تفتح درج مكتبها. تخرج المسدس الفضي. تضعه في حقيبتها.
مقر الشرطة. المحقق يجلس أمامها بوجه متعب.
المحقق: "الجثث الثلاث... بنفس الأسلوب. لا عنف، لا كسر، لا آثار. وبجانب كل منها ورقة مكتوب عليها: 'لماذا تخلّيت عني أيها الكاتب؟' آنسة سلمى... نحن لا نلعب. هل رأيتِ شيئاً في شقة لينا لم تخبرينا به؟"
سلمى: "أخبرتكم بكل شيء. مذكرات فتاة مراهقة. خيالات."
المحقق: "هذه الخيالات تحولت إلى جثث. والشاب المختفي اسمه فادي. يبلغ من العمر ٢٣ عاماً. يقضي لياليه في المستشفى العسكري القديم. الجيران يقولون إنه مجنون. يدّعي أنه يسمع كاتباً."
سلمى تتماسك. تسأل بصوت هادئ: "فادي؟ ما هي أوصافه؟"
المحقق: "نحيل، شعره أسود طويل، يرتدي معطفاً ثقيلاً حتى في الحر. لا يأكل جيداً. توفي أهله منذ سنوات."
سلمى تشعر بدقات قلبها. فادي... الرجل الذي أنقذته البارحة.
المحقق: "حسناً. أنتِ حرة. لكن إن عرفتِ شيئاً... فأخبرينا."
تخرج سلمى مسرعة. ترسل رسالة إلى الكاتب في رأسها: "فادي مختفٍ! لقد أنقذته البارحة!"
لكن لا رد.
تتجه إلى المستشفى العسكري نهاراً. المكان مختلف تحت الشمس. أقل رعباً، لكنه لا يزال موحشاً. تدخل من الباب الرئيسي. الممرات واسعة، النوافذ مكسورة، أوراق متناثرة على الأرض.
تصل إلى غرفة العمليات حيث وجدت الهاتف البارحة. الهاتف لا يزال هناك. ترجوه أن يرن. لا شيء.
فجأة... صوت خطوات من الخلف. تلتفت. لا أحد.
تنظر إلى الأسفل. على الأرض، أثر أقدام مبللة يقود إلى خارج الغرفة. وكأن أحداً خرج لتوّه.
تتبع الأثر. يصل إلى باب حديدي في آخر الممر. مكتوب عليه: "المشرحة".
تتردد. ثم تفتح الباب.
المشرحة باردة، مظلمة. رائحة عفن خفيفة. على أحد الأسرّة، جثة مغطاة بملاءة بيضاء. قلبها يقفز.
تقترب ببطء. تمسك طرف الملاءة. تسحبها...
الجثة ليست لفادي. امرأة في الأربعين. لا تبدو عليها علامات عنف. لكنها ميتة بلا شك.
تتنفس الصعداء. لكن قبل أن تتحرك، باب المشرحة يُغلق فجأة! بقوة!
تعدو نحو الباب. تصرخ: "هل من أحد؟!"
لا رد. تدفع الباب. إنه مقفول.
تخرج هاتفها. لا توجد شبكة. ترفع المسدس الفضي. تنظر حولها.
في زاوية المشرحة، شيء يتحرك. ظل أسود يخرج من الحائط. يتشكل شيئاً فشيئاً... امرأة.
الشريرة. تظهر للمرة الأولى. ليست واضحة الملامح، كأنها مصنوعة من دخان. لكن عينيها... تحترقان.
صوتها أجش، حزين، غاضب: "سلمى... أخيراً التقينا."
سلمى ترفع المسدس: "لا تقتربي!"
الشريرة تضحك: "مسدسك الفضي لا يؤذيني. هذا سلاح ضد الدمى، ليس ضدي. أنا لست دمية. أنا... أنا الكاتبة الحقيقية هنا."
سلمى: "الكاتب قال إنكِ شخصية مهملة. شريرة."
الشريرة تقترب خطوة: "الكاتب يكذب. أنا لم أُهمَل. أنا... كنت بطلة قصته المفضلة. كنت أجمل شخصياته. لكنه ملّ مني. قرر أن يكتب قصة جديدة... قصة عنكِ أنتِ. وتركني في الظلام. أنا موجودة منذ خمس سنوات، سلمى. خمس سنوات أنتظر العودة. وهو يكتب عنكِ أنتِ."
سلمى: "إذاً أنتِ تريدين قتله؟"
الشريرة: "لا أريد قتله. أريد أن يكتب عني مجدداً. أريد أن أكون البطلة. لكنه رفض. لهذا... سأجبره. سأقتل كل شخصياته الجديدة واحدة تلو الأخرى. حتى لا يبقى له سواي."
سلمى: "لينا... هل قتلتيها؟"
الشريرة: "لينا... حاولت الوصول إليه. حاولت أن تنقذه مني. المسكينة. لم أقتلها. هي... هي اختارت. قالت إنها تفضل الموت على أن تكون شخصية ثانوية في قصتي."
سلمى ترتجف: "وفادي؟"
الشريرة: "فادي آمن. الآن. لكنه لن يبقى كذلك إن واصلتِ التدخل. أنا أعطيكِ فرصة واحدة: أن تتوقفي عن البحث، وتعودي إلى حياتك الطبيعية، وتتركيني والكاتب وشأننا. وإن أصررتِ... فسيكون القادمون أعزاء عليكِ. كريم مثلاً."
سلمى: "كريم؟! لا تقتربي منه!"
الشريرة: "إذاً... قراري واضح. استمتعي بأيامك القليلة القادمة. سأراكِ قريباً."
تذوب في الظلام. يختفي الأثر.
باب المشرحة يُفتح فجأة. يدخل ضوء الشمس. يدخل محقق: "آنسة سلمى؟! ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟! المكان خطر!"
سلمى تلهث. تنظر حولها. لا أثر للشريرة. ولا أثر للمسدس الفضي في يدها... لقد اختفى!
مساء. سلمى في شقتها. ترسل للكاتب في رأسها بصوت يائس: "الشريرة ظهرت لي. كادت تقتلني. أين كنتَ؟!"
صمت طويل. ثم همس خافت، متعب، مختلف:
الكاتب: "أنا هنا... كنتُ... أكتب. أحاول أن أجد طريقة لمساعدتك. هي أقوى مما توقعت. كلما تقدمتِ في مهمتكِ، تزداد قوتها. لكنني وجدت شيئاً... شخصاً. شخصية قديمة لي، قد تكون حليفتك القادمة. اسمها لين. لكنها... في قصة رعب. الوصول إليها صعب."
سلمى: "لا أريد حلفاء جدد! أريد أن أعرف كيف أقتلها!"
الكاتب: "لا تقتلي. هي... ليست شريرة خالصة. هي مجروحة. إذا استطعتِ فهمها... ربما تنقلب المعركة."
سلمى: "كيف أفهم من يقتل؟!"
الكاتب: "سأرسل لكِ عنوان لين. لكن احذري... المكان خطير. وإن وقعتِ في القصة الخطأ... قد لا أستطيع إعادتكِ."
سلمى: "سأذهب غداً."
الكاتب: "سلمى... أنا آسف. آسف لأني كتبتُكِ في هذه المغامرة. آسف لأني لم أحمكِ."
سلمى: "لا تعتذر. فقط... لا تتركني."
صمت. ثم كلمة أخيرة:
الكاتب: "أبداً."
تنهي سلمى المكالمة. تنظر إلى المرآة. ترى ظلها فقط. تتنهد.
لكن قبل أن تذهب إلى النوم، ترن رسالة على هاتفها. من رقم غير معروف.
تفتحها: صورة لكريم، مكمم الفم، مربوط إلى كرسي، وخلفه ظل امرأة.
التعليق: "غداً... سأبدأ به. إن جئتِ لإنقاذه، سأقتلكما معاً. إن لم تأتِ... سأقتله وحده. اختاري."
سلمى تصرخ. ترمي الهاتف على الأرض.
تفتح باب الشرفة. تهب ريح باردة. تنظر إلى السماء.
سلمى: "اللعنة عليكِ... سآتي."
(يتبع...)
Comments
Post a Comment